الشيخ البهائي العاملي

105

العروة الوثقي في تفسير سورة الحمد ( ويليه الرحلة لوالد الشيخ البهائي )

وفي ذكر هذه الأسماء في البسملة - التي هي مفتتح الكتاب الكريم - تحريك لسلسلة الرحمة ، وتأسيس لمباني الجود والكرم ، وتشييد لمعالم العفو والرأفة ، وإيماء إلى مضمون : « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » ، وتنبيه على أنّ الحقيق بأن يستعان بذكره في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقيّ البالغ في الرحمة غايتها ، والمولي للنعم بجملتها ، عاجلها وآجلها ، جليلها وحقيرها . هذا ، وربما يوجد في كلام بعضهم « 2 » أنّ في وصفه - جلّ شأنه - بالرحمة الأخرويّة ردّا على المعتزلة القائلين بوجوب إيصال الثواب إلى العباد في مقابل سوابق أعمال الخير ، الصادرة عنهم ؛ فإنّ الوجوب عليه - جلّ شأنه - لا يجامع التفضّل والإحسان اللذين هما معنى الرحمة بالنسبة إليه سبحانه . وأنت خبير بأنّهم لا يقولون بأنّ جميع ما يصدر عنه - تعالى - من النعم الأخرويّة واجب عليه ؛ ليلزمهم أن لا يكون - جلّ شأنه « 3 » - متفضّلا بشيء منها ، وإنّما مذهبهم وجوب بعض تلك النعم ، أعني التي استحقّها المكلّفون في مقابلة الأعمال الصادرة عنهم ، والآلام الواصلة إليهم . وأمّا باقي أنواع النعم وأصناف الإحسان - التي لا يحصر قدرها ، ولا يقدر حصرها - فهم لا ينكرون أنّها تفضّل منه - جلّ شأنه - وإحسان وترحّم وامتنان . وعساك تسمع في هذا كلاما مبسوطا ، إن شاء الله تعالى .

--> ( 1 ) . « عيون أخبار الرضا عليه السّلام » ج 1 ، ص 256 ، باب 28 ، ح 30 ؛ « الكافي » ج 1 ، ص 443 ، باب مولد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ووفاته ، ح 13 . ( 2 ) . في هامش « ق » و « ش » : « المراد به البيضاوي وغيره » . ( منه رحمه اللّه ) . ( 3 ) . في « ق » : « سبحانه وتعالى » .